قراءة في رواية " همس الهمس "

لـ محمّد الكامل بن زيد[1]
بقلم :عبد الله لالي

الزمن ليس زمنا تاريخيّا متسلسلا أو ممنطقا ومحسوبا ، إنّه زمن أهل الكهف ، زمن التذكر والتنقل من هذه اللحظة، إلى تلكم، ومن هذه الواقعة إلى تلك...
الطاهر وطار.

همس الهمس..أو تينهنان " السمراء التي توحدت فيها مجاميع الجمال الرّباني" ؛ هي وجه صحراء الطاسيلي السّاحر ، وأسطورتها الآسرة التي تحكي تجذر الإنسان التارقي في أرضه الغارقة في دفق الجمال التاريخي..

في هذه الرواية المتميّزة يبحر بنا محمّد الكامل بن زيد في عوالم الدهشة وآفاق الرؤى الحالمة، التي تمزج بين الفلسفة والأسطورة والصور الفنيّة المذهلة، بأسلوب أقل ما يقال فيه أنّه أسلوب غير عادي، أسلوب يشدّك إلى عبارته وصوره ويفرض عليك غوصا جميلا في المعاني المستترة ، والطرح العميق.
رواية ( همس الهمس ) لـ محمّد الكامل بن زيد من القطع الصغير في ست وتسعين صفحة ( 96 ) ، وطباعة جيّدة ...وكان الكاتب قد نشرها مسلسلة في جريدة صوت الأحرار، في 16 حلقة. وهي العمل الثاني المطبوع له فقد أصدر قبلها مجموعة قصصيّة بعنوان ( ممنوع الدخول ) ، كما أنّ له عناوين أخرى مخطوطة وهي:
في القصّة:
- نحت جديد لتمثال أسود.
- المشي خلف حارس المعبد.
في الرّواية:
- قصر الحيران.
- الجنرال خلف الله مسعود.
السمة البارزة لرواية ( همس الهمس ) أنّها تعطي للقارئ الأحداث بالقطارة بينما يفيض عليه بالصور الفنيّة والتحليلات الفلسفيّة سيلا منهمرا، الأمر الذي يصعب علينا عمليّة تلخيصها في كلمات عجلى ، ولأنّ تلخيص الملخص من الصعوبة بمكان.
زبدة الرّواية:
تتحدّث الرواية - بتقنيات فنيّة مركبة تركيبا معقدا إلى حدّ ما – عن قصّة التفجير النووي الأوّل الذي أجراه الاحتلال الفرنسي في صحراء الجزائر 13 / 02 / عام 1960 م ، واصفة بشاعة التدمير الهائل الذي خلفه والمأساة الكبيرة الذي تركها في قلوب سكان المنطقة ، وقلوب كلّ الجزائريين ، وفي استرجاع للصور الماضية يتداخل التاريخ مع الحاضر والخيال مع الواقع ، لتحضر الملكة تينهنان[2]، ملكة الطاسيلي والطوارق التي طار اسمها في الآفاق ؛ تحضر مجسدة في صورة طفلة صغيرة هي ابنة الشيخ أمود ، الذي يحمل بدوره اسما لشخصيّة تاريخيّة معروفة قادت الطوارق في ثورة عظيمة ضدّ المحتلّ الفرنسي، الشيخ أمود وابنته تينهنان الصغيرة يلتقيان بسجينين فاريّن من قبضة المستعمر الفرنسي، ليكونا شاهدين على التفجير النووي الكبير في منطقة رقان.
وتنتهي الرواية بإدانة إنسانية صارخة للمحتل الفرنسي ، الذي كان سببا في قبر حبّ مستحيل مات قبل أن يولد:
(..حين دارت الرّاحلة قرب الخيمة اكتفت بأن ألقت بابتسامة عصماء إليّ تحمل حنانا فياضا أكبر مما تخيّلت ...ثمّ همست بهمس الهمس:
- وداعا يا حبّي الذي لم يبدأ بعد..).
الخصائص الفنيّة للرواية:
تميزت رواية ( همس الهمس ) بكثير من الخصائص الفنيّة ، التي أفلح الكاتب في توظيفها لتبليغ أفكاره والوصول إلى لوحة فنيّة فائقة الجمال ، ورائعة التشكيل ولعلّ هذه الخصائص تتلخص – رغم تداخلها - في ما يلي:
- السمت الفلسفيّة
- الاسترجاع ( الفلاش باك )
- الصور الفنيّة
- النفس الشعري
- التطعيم
ولنتدرّج مع الكاتب خطوة خطوة لنبحر في عالم روايته الساحرة معنى ومبنى.. (همس الهمس) ... ماذا لو كان همس الهمس يسبق وينتهي بتفجير نووي هائل هز كلّ صحراء الطاسيلي العريقة في المجد.. العريقة في التاريخ... العريقة في الأصالة، لطمس معالم وجهها الجميل بمخلفات فطر شيطاني سام !!
1 - السّمت الفلسفي:
في الرواية من بدئها إلى منتهاها رؤى فلسفيّة عميقة ، ضمخها الحزن بشذاه وطعمتها الحكمة بمعانيها الفخمة والجليلة..
لا تخلو بطبيعة الحال أي رواية من سمت فلسفي يستخلص من أحداثها ، إلا أنّ رواية ( همس الهمس )، زخرت بجمّ هائل من الأفكار الفلسفيّة التي تثير القارئ وتدهشه وتجعله في حالة تساءل دائم، يولده في ذاته كلّ مقطع يقرأه منها.
تبدأ الرواية بهذا الدفق الهائل:
" عبثا أحاول أن أرسم طريقا سهلة المبتغى لا ترهقني ولا ترهق عظامي ولا تزيد ثيابي بللا ..فالعرق الشديد يتسرّب دون استشارة منّي ما بين الصلب والترائب.. يتدفق بلا حساب .. وكأنّي عابر سبيل أماط اللثام عن وجه مهترئ ..لا مقام له ولا .."
البداية كانت بنظرة تأمليّة للحياة وما فيها من مشاق وصعاب، الحياة التي تجعل الإنسان يدرك بعد تجربة طويلة ومعاناة أنّه مجرد عابر سبيل ..عابر سبيل وحسب ، ومثل هذه الأفكار المنتسبة إلى عالم الفلسفة تكاد تشغل الحيز الأكبر من مساحة الرواية وأحداثها ، حتى أنّها تطغى على الأحداث فلا تتابع إلا ببطئ شديد، وكأنّ أبطالها في معبد بأعالي هضبة التبت يقفون مسحورين بأسرار الحياة، بلى هم بأعالي هضبة الطاسيلي ينظرون إلى التاريخ كيف يعبر.. مثل شريط سينمائي غريب.
لم يشأ الكاتب لروايته إذا أن تكون سردا خالصا، أو تصويرا بحتا لمجرياتها بل كان يقف عند كلّ حركة وكل ردة فعل ليلتقط أسرار ( همس الهمس )، في طوايا الحياة، ولنأخذ على سبيل المثال قوله في صفحة 13:
( رؤى الساعة صفر تتلاعب بمخيلتنا .. تشرع لنا أحوالا دونها أحوال ..فالزمن يتوقف على هاته اللحظة ..إذ سيلج فضاء آخر غير الذي كان فيه ..).
عندما يقول ( رؤى الساعة صفر تتلاعب بمخيلتنا..) إنّه بذلك يفتح لنا بابا لتأمّل البدايات وما يصحبها من تخيّلات كثيرة تجعل مخيلة الإنسان كأنّها ورقة في مهبّ الريح تديرها في كلّ اتجاه ، محاولة أن تعرف ما هو مخبأ لها في رحم الزمن الآتي، والزمن بالفعل يتوقف هنا طويلا ليحرك في نفوس النّاس ذكريات عميقة، حلوة ومرّة سعيدة وتعيسة..
وفي مشهد آخر يتحدّث فيه عن هروب السجينين يقول مفلسفا حالة الخوف ، والرهبة التي أصابتهما:
( ..ليس لنا في هذه الصحراء غير الصبر ..وأكدوا علينا أن نقتصد في الشرب وإن أمكن أن نسرق شيئا من لعابنا فلا مانع .. وألا ننسى أنّ هناك شيئين يقودان خطواتنا إمّا الموت ..أو إمّا الحياة ..).
وذلك هو سرّ الحياة كلّها ..الخوف من الموت الذي يدفعنا إلى تحدّي الصعاب وركوب موجة المستحيل، والرغبة العارمة في الحياة التي تعطينا طاقة البقاء ، وقوّة الإبداع...إنّها فلسفة المصير التي طالما تأرجح الإنسان بين كفتيها أملا ويأسا.. حبّا وكرها ، سعادة وشقاء.
والكاتب بهذه البداية القوية يفرض على قارئه التحفز والتهيؤ لاستقبال أحداث عظام ، وتلقي أفكارا جديرة بالمناقشة والآخذ والرد ، وتبدأ تلك الأفكار بعد ذلك تترى عليه:
( حرت في أمره ..حاولت تذكيره بالوصايا العشر فلم يستجب بل أطلق قهقهة أخرى ومضى يقفز. يرقص ..يقوم بحركات بهلوانيّة مختلفة.. لم أره سابقا بمثل هذه السعادة...قلت في نفسي هل بعد كلّ ذلك الظلام يتفجر البركان..وعن ماذا ؟!عن شقاوة متعجرف.. لا تعرف حدود شقاوته ..وانطلق من منفى الكبت إلى حيث الملكوت..)
إنّ الكاتب هنا يتجاوز تقنيّة السرد الخالص ، إلى الغوص في دهاليز تعابير النفوس ويحاول تحليل ردة أفعال ( شخوص الرواية ) ليستخلص منها حكمة ما أو تأويلا معيّنا للأحداث الغريبة وليطعهما بنكهة خاصّة تتجاوز السرد التقليدي الميّت.
ويمضي في جلّ فصول مشاهد الرواية على هذا المنوال، فيجعل القارئ يتفاعل مع كلّ حركة وكلّ همسة تصدر عن أبطال الرواية، أو تظهر من شخوصها ماديّة كانت أو معنويّة.
ولنتأمّل معا المشهد الذي يصوّر فيه تينهنان الصغيرة:
" سمراء توحدت فيها مجاميع الجمال الصبياني..سمراء سكنت فيها بدعة الرحمن وقالت: هاهنا مثواي..سمراء احتضنتها الطبيعة بعمق جذورها في التاريخ الإنساني بحنان لا نهاية له.... ".
إنّك لا تكاد تجد في هذا الوصف من الماديّة غير كلمة سمراء ، ثمّ هي بعد ذلك تعبير عميق عن صورة إنسانيّة بديعة ترمز إلى عمق حضاريّ ضرب جذوره في عمق التاريخ، وتجلّى فيه سرّ الإبداع الإلهي في أعظم معانيه وأجلى صوره ..صبيّة صغيرة بريئة تدعى تينهنان توحدت فيها مجاميع الجمال الصبياني...!
وهذا مشهد آخر من مشاهد التأمّل الفلسفي التي طبعت جلّ مشاهد الرواية يقول الكاتب في صفحة 22:
" وانتبهت إلى غفوة صديقي النائم فوحدتها مثلما تركتها لا يحلو له إلا الإدبار نحو الماضي .. ربما هناك سيجد ما فقد فأحيانا حين تتعبنا أعباء الطريق نتمنى أن نعود إلى نقطة الصفر ..فهناك لا ..لنا ..ولا ..علينا.. "
وهنا فكرة لطالما عانى منها الإنسان إنّها فكرة الهروب من الواقع المرّ ، إلى صور الماضي الجميل أو الذي يبدو جميلا بعدما مضى وانتهى ، ولا ندرك جماله أو قيمته إلا بعدما يتسرب من بين أيدينا ويصير في صفحات الذكرى المطويّة ، فنحب أن نقلب صفحاتها من حين إلى آخر لعلنا نجد ذلك الصبيّ أو الطفل المرح الذي كان فينا ثمّ ..ثمّ فقدناه ، فقدناه ببراءته وبألقه الفاتن..!
2 - الاسترجاع ( الفلاش باك ):
الاسترجاع تقنيّة كثيرا ما يعتمدها الكتاب لتخفيف الملل عن القارئ ، وتستخدم أيضا في التشويق وتوضيح بعض أجزاء المشهد الغامضة أو الغائبة، ولكنّ الإكثار منه قد يربك القارئ أو يشتت فكره فيصبح عيبا في السرد بدلا من أن يكون ميزة جماليّة، وهذا ما كاد يقع فيه الكاتب محمّد الكامل بن زيد لولا أنّ الطابع الفلسفي التأملي للرواية أحدث عمليّة توازن ذكي ، جعل الإكثار من تقنيّة الاسترجاع قابلة للهضم ومتناغمة مع فكرة الرواية.
وقد استعمل الكاتب هذه التقنية في كثير من الأحيان في بداية المشاهد الجديدة، دون الإشارة إلى هذه النقلة النوعيّة إلا من خلال ما يشعر به القارئ من تغيّر مسار الأحداث، وهو أسلوب قد ينتج عنه واحد من أمرين إمّا أن يصرّ القارئ على مواصلة القراءة ليكتشف خفايا مشاهد اللوحة الغامضة ، وإمّا أنّه يلقي بالرواية جانبا ولا يعود إليها، لكنّ محمّد الكامل يشدّه إلى صور المشهد الجديد بطاقة إبداعيّة خلابة ، فيجعله يوشك أن ينسى المشهد الأوّل إلى أن ينبهه من رحلة الاندماج في النصّ فيعود به إلى ربط الأحداث مرّة أخرى؛ وتتكشف اللوحة الفنيّة شيئا فشيئا..كأنما يرفع الستار ببطء شديد عن بقيّة أجزائها الساحرة..
ونلاحظ هذا الاسترجاع في عدة مشاهد نذكر منها انتقاله من مشهد هروب السجينين إلى المشهد الذي يروي قصّة نهاية الملكة تينهنان في صفحة 31 والذي يبدأه هكذا:
" كم حزنت الصحراء لفقدانها ..
كم ذرفت الدموع كالسيل المنهمر بلا هوادة .." إلى أن يقول " ثمّ جلست فوق ربوة مسطحة حيث وقف جنودها المعدودون ينتظرون على أحرّ من الجمر..أنفاس تتقطع شفقة ..والملكة تينهنان أطالت التحديق فيما بينهم وبين الجبال الشاهقة المحيطة بهم..
وبعد مخاض عسير انتبهوا إلى صوتها الهادئ الملكي..ذي كبرياء ..ذي عظمة يقول فيهم:
- اذهبوا ..أنتم الطلقاء ).
3 - الصور الفنيّة:
رواية ( همس الهمس ) غنيّة بالصور الفنيّة إلى درجة التشبع ، بل إنّ الرواية بكاملها تكاد تكون لوحة فنيّة متعددة المشاهد والصور المركبة ، والمعقدة في كثير من الأحيان، لكنّها على كلّ صور غير اعتياديّة صور تجعل القارئ يقف عندها طويلا في اندهاش كبير.
ومن هذه الصور الفنيّة والتي تعتبر حجر الزاوية في رواية همس الهمس أو محورها الأساسي الذي تدور حوله، ولعلّه كما يقال تيمة الرواية التي من خلالها تتكشف الأسرار والخبايا؛ هذه الصورة هي اللازمة التي تكررت عبر مختلف مراحل السرد وقد صاغها الكاتب بعناية فائقة:
" سمراء توحدت فيها مجاميع الجمال الصبياني ... سمراء سكنت فيها بدعة الرحمن وقالت ها هنا مثواي ..سمراء احتضنتها الطبيعة بعمق جذورها في التاريخ الإنساني بحنان لا نهاية له " وقد تكررت بصيغتها في صفحة 19 و22 و34 و38 و 79 وفي الصفحة الخاتمة صفحة 96. وهي لازمة تحمل النفس الشعريّ الفاتن ؛ الذي يترك في نفس القارئ صدى يصاحبه خلال كلّ فصولها.
ومن الصور الفنيّة الجميلة أيضا قوله في ص10:
" الصحراء أشبه بالغرفة الخالية ..تصنع الصدى ..أتشبث بخيط الصراخ للحظات.. يتوجع الصدى من ضربات الجبال البنيّة اللون..كره قراءة نفسه بين شقوقها فآثر الغيّاب.."
إنّ السرّ في هذا هذه الصورة هو المفارقة العجيبة بين الغرفة الخالية، والصحراء الشاسعة المحاطة بالجبال، ونقطة التقاطع بينهما الصدى الناتج عن الخواء الكبير والفراغ الرّهيب. ولكن متى تكون الصحراء برحابتها واتساعها وجمالها الأخّاذ أقرب ما تكون إلى غرفة ضيقة يترجّع فيها الصدى..إنّه بلا شك الشعور بالعدم الذي جاء على لسان أحد أبطال القصّة " عدم..عدم ". وعندها فقط تصير الجبال الشاهقة مثل جدران الغرفة المغلقة.
وفي صورة أخرى قريبة ، منها بل هي مكمّلة لها يقول:
" السير ليلا يخاطب شواهد الهدوء بصدق وإيمان ... " في هذا المشهد يرسم لنا الكاتب صورة غير اعتياديّة ؛ السير = الحركة = الصوت ( الفعل ) ولذلك فهو ( يخاطب ..) ولكن يخاطب ماذا ... ؟ وهنا تأتي المفارقة المدهشة ( يخاطب شواهد الهدوء ) ، وكأنّها شواهد القبور، وبذلك تكتمل روعة التصوير الفنّي للصمت المطبق الذي يسدل على الليل ستاره كما يسدله الليل على الصحراء، فلا يعود الساري يسمع سوى وقع خطوات أقدامه.
وفي صورة ثالثة في صفحة 14 أيضا يقول الكاتب:
" ذكرونا أنّ الصحراء جافة بطبيعتها ..فإذا نزل المطر في غير موسمه فلا بدّ أن نغتنم الفرصة فبه يمكننا أن ننعم بشروق جديد "
لو أخبرنا الكاتب أنّ نزول المطر في الصحراء وفي الصيف يعتبر طوق نجاة بالنسبة للمسافر الذي فقد الماء؛ لكانت الصورة عاديّة أو نمطيّة كما يقال، لكنّ محمّد الكامل بن زيد ليس من النوع الذي يعتمد على السرد البسيط الجاهز بل هو يقول لنا في شكل بديع : إنّ المطر في الصحراء هو بمثابة فرصة حياة جديدة عبر عنها الكاتب بقوله: " أن ننعم بشروق جديد ". وهي بلا شك صورة مغايرة ومختلفة.
وهذا مشهد آخر يرسم صورة مدهشة للسجينين الهاربين من السجن:
" اقتلعنا أرجلنا عنوة من الرّمال..نشاط غير اعتيادي دبّ في العضلات ..أسرعنا نبحث عن مكان نختبئ فيه..خيّل إلينا أنّ شياطين الأرض تلاحقنا ..وأنّ طلقات الرّصاص تفضح مسارنا ..لم نقدر على الالتفات ..همنا الشاغل كيفيّة النفاد من قضبان القفص المتناثرة خلفنا..اختصرنا تلالا وكثبانا ..رفعتنا النجاد ..وأنزلتنا الوهاد ..ولما ارتطمنا ببعضنا البعض..وارتطم الصخر بنا...."
وصف دقيق لا يهمل أدق التفاصيل..حتى يختتم بذروة الوصف الفنّي البديع ( وارتطم الصخر بنا..)، لم يشأ الكاتب أن يقول إنّنا ارتطمنا بالصخر ، وإنما الصخر هو الذي ارتطم بالهاربين ، ليصف لنا شدّة سرعتهم في الهروب ، إنّه التشبث بأهداب الحياة والرغبة العارمة في المحافظة على البقاء.