دور الأب في تحديد شخصية الطفل
د. محمد أحمد النابلسي
2006-06-07
ـ اضطرابات السلطة الأبوية:
مع بداية إدراكه لمفهوم الزمان يبدأ الطفل (3 ـ 5 ـ سنوات) بإدراك الفوارق بينه وبين أبيه. فيدرك في البداية قوة الأب، ثم يدرك تدريجياً عوامل هذه القوة ومظاهرها. حتى يصل الطفل وفي سن معدله ستة سنوات للتراجع عن الصراع الأوديبي لصالح الأب وباحثاً لنفسه عن أماكن يوظف فيها طاقاته الليبيدية. وكنا قد عرضنا لدور الأب في تحديد ملامح الصراع الأوديبي وفي حله أثناء كلامنا عن الخلافات الزوجية.
مما تقدم نستطيع أن نفهم أبعاد الدور الذي تلعبه السلطة الأبوية في تحديد علائم الشخصية المستقبلية للطفل. وأهمية هذا الدور تصل إلى حد يمكننا من رد اضطرابات الأطفال، في معظمها إلى اضطرابات السلطة الأبوية. والحقيقة أن لهذه الاضطرابات جذورها في اضطرابات شخصية الأب وبنيتها الفردية. لذلك فإنه ومن الصعوبة بمكان التوصل إلى تحديد هذه الاضطرابات خاصة وأنها مرتبطة أيضاً، وبطريقة مباشرة، بشخصية الأم وبموقفها من كل من الطفل والأب. وفيما يلي سنحاول أن نعرض لأشكال اضطراب السلطة الأبوية ونبدأ بـ :

1 ـ الأب المشاكس: نحن لا ننفي وجود الأم المشاكسة. إلا أن الأم، وبسبب قربها من أطفالها، تنجح عادةً في إلصاق صفة المشاكسة بالأب متخذة لنفسها وضعية مازوشية. وتأثير هذه الأوضاع على الطفل هو نفس تأثير الخلافات الزوجية إجمالاً والتي ناقشناها في فقرة سابقة.

2 ـ الأب اللا مبالي: إن لا مبالاة الأب تعكس عادةً شعوره بالعجز عن تحمل مسؤولياته العائلية. والأطفال يدركون هذا الشعور بسهولة. فيلجأوا لتجميد سلطة الأب عن طريق التركيز على الأم في طلبهم لكل ما يحتاجون إليه. وهذا التغييب الإرادي للأب من قبل الأطفال يوازيه زيادة تسلط الأم. مما يشجع الأطفال على تخطي سلطة الأب. وهو يؤثر خاصة في الأطفال الذكور الذين يتماهون بالأب ليكتشفوا بسرعة أنه لا يشجعهم على ذلك ولا يحاول مجرد الاتصال بهم فيضطر هؤلاء الأولاد للبحث باكراً عن بديل للأب. وكثيراً ما يتمنى الطفل في هذه الحالات إحلال بديل الأب مكان الأب نفسه في علاقاته مع الأم.

3 ـ الأب السيئ: إن الأب السيئ ليس بالظاهرة النادرة. فالآباء السيئون كثر. منهم مدمن الكحول أو المخدرات، المقامر، الاتكالي، القاسي ومنهم مَن لديه ميول معادية للمجتمع قد تصل حد الإجرام. ومن الطبيعي أن يؤثر مثل هذا الأب سلباً في تربية أطفاله، مفاهيمهم ومثلهم العليا. والحقيقة أن هذا الموضوع أوسع كثيراً من أن نتناوله في مثل هذا الكتاب. لذلك فإننا نكتفي بالقول أن علاج مثل هذا الأب هو ضرورة ملحة لإنقاذ العائلة وأطفالها على وجه الخصوص. وفي بعض هذه الحالات فإن العلاج قد يفرض تغييب الأب عن المنزل.

4 ـ الأب العظامي: تركز الأتنولوجيات الشرقية على مركزية دور الرجل في العائلة وفي المجتمع. فمن بوذا الإله الذكر الأوحد إلى آدم الذي خلقت حواء من ضلعه وغيرها. وبهذا نستطيع القول بأن مجتمعنا يعطي للرجل وضعية عظامية ينصره دائماً على المرأة. والحقيقة أن الرجل الشرقي كثيراً ما ينوء بانتصاراته أمام المرأة. وعلى أية حال فإن هذه الوضعية العظامية للرجل الشرقي لها خصائص عدة أهمها الغيرة المبالغة والشك. وكثيراً ما يتعدى العظام حدوده المقبولة وصولاً إلى شك الرجل بأن هذا الطفل يمكن أن يكون وليد خيانة امرأته له. وبالرغم من القرائن التي تثبت العكس كما تثبت براءة المرأة. فإن عدداً من الرجال العظاميين يعيشون هذا الوهم. وهذا ما يفسر تصرفهم مع أطفالهم بطريقة شاذة وغير مألوفة.

5 ـ الأب الميت: إن مشكلة اليتم هي أحد أشد المشاكل وطأة في حياة الطفل. وهذه المعاناة تخف أثرها ليس فقط في شخصية الطفل المستقبلية ولكنها تمتد لتؤثر على أولاده أيضاً. لذلك رأينا أن نتوسع في مناقشة موضوع اليتم والتعمق به. وبما أن اليتم هو احتمل وارد في أي مرحلة من مراحل الطفولة فإننا سنستعرض وقعه على الطفل في مختلف مراحل طفولته.
بعد النرجسية الأولية اللا متمايزة (حيث تلعب الأم دور فائقة القوة وحين لا يكون الطفل بحاج للأب لأنه يكتفي بالرعاية الأمومية) تأتي مرحلة النرجسية الطفلية التي يشبهها فرويد بهذيان عظمة حقيقي (يتجلى باعتبار الطفل نفسه مركزاً للعالم) لا يخرجه منها سوى الانتقادات الموجهة له مما يضطر الطفل إلى اتخاذ مثال أعلى يصعب عليه حبه (توظيف نرجسي) ويعمد الطفل إلى مقارنة نفسه بهذا المثل الأعلى. ومن هذه الناحية فإن المثل الأعلى يتطابق مع الأنا على الوالدية. إذ أنه من الطبيعي أن يتخذ الطفل (الذكر) من والده مثالاً أعلى. وموقف الطفل من الأب لا يقتصر على التقليد وبالتالي على مبدأ: عليّ أن أفعل كذا (مثل والدي). بل هو موقف غني بالمفارقات فهنالك المواضع التي يقول فيها الطفل: لا يحق لي أن أفعل كذا (حتى ولو كان والدي يفعله).
وفي كتابه محاضرات جديدة في التحليل النفسي يقول فرويد بأن موقف الطفل من المثل الأعلى لا يطغى عليه الشعور بالذنب بقدر ما يطغى عليه الشعور بالذنب بقدر ما يطغى عليه شعور الطفل بالدونية أمام المثل الأعلى المحبوب.
وفي وضع اليتم يكون الطفل قد حُرم من مثله الأعلى الطبيعي (أي الأب) الذي لا يسبب له الجروح النرجسية بسبب علاقاته مع الأم لأن الطفل ومع أفول الأوديبية يستطيع تحمل هذه الفكرة بسهولة في حين يصعب عليه أن يقوم مقام الأب (أعباء انتصار الطفل في الصرع الأوديبي والتي لا يقوى على تحملها) ويصعب عليه أكثر أن يقوم شخص آخر مكان الأب. وإذا ما حدث ذلك أو توقع الطفل حدوثه فإنه يكون عرضة لعصاب الهجر.
وموضوع اليتم يقودنا للحديث عن امتزاج الوالدين وهذا التعبير الذي تستعمله ميلاني كلاين للدلالة على نظرية جنسية طفلية تظهر في هوامات الأطفال بأشكال متنوعة تمثل الوالدين وكأنهما في علاقة جنسية لا تنقطع فتحتوي الأم عضو الأب الذكري أو الأب بأكمله. وهذه الهوامات هي مصدر قلق بالغ لدى الطفل وهي من القدم بحيث يصعب تحديدها. أما في حالات الطفل اليتيم فإننا نجد هذه الهوامات أكثر وضوحاً وأكثر تسبباً للقلق.